حسن الأمين

188

مستدركات أعيان الشيعة

في تهيئتها لإقامة الملك البهلوي ببلاده إلى حالة مؤيسة من الركود والانحلال وفساد الحكم وسلب الحريات العامة . بعض الأحداث وفي 1 من شهر تير سنة 1300 ه‍ . ش . الموافق 15 شوال سنة 1339 ه‍ . ق . افتتحت حكومة « قوام السلطنة » المجلس النيابي المعطل . وهو رابع مجلس انتخب بعد إقامة النظام البرلماني في عهد « مظفر الدين شاه » . افتتحه « أحمد شاه » بكلمة مفصلة . ثم ألغي قانون منع التجول . ولكن الحكم العسكري ظل قائما . وفي 9 تموز سنة 1921 م الموافق 17 تير سنة 1300 ه‍ . ش . وذي القعدة سنة 1339 ه‍ . ق جلا العسكر الروسي عن مدينة رشت . ثم تمكنت الحكومة من القضاء على حركات التمرد في مختلف الأقاليم . أيام العزاء الحسيني وفي مطلع شهر المحرم من سنة 1340 ه‍ . ق أقيمت في حسينية الثكنة القوزاقية مراسم العزاء الحسيني المعتادة . في إيران . ووقف قائد الجيش وزير الحربية « رضا خان » يستقبل مواكب العزاء موكبا موكبا . وكل موكب منها ينتمي إلى فئة من الأهالي . وهي مواكب تطوف في المدينة أيام المحرم ، وتؤم في أثناء طوافها المجالس التي يعقدها الأعيان والعلماء للعزاء الحسيني ، فتتوقف فيها قليلا ثم تمضي في طوافها . فكان « رضا خان » كلما دخل موكب منها إلى الثكنة استقبله بالبشاشة والتودد ، وأهدى رئيسه شالا . ودعا إلى قراءة السيرة الحسينية في الثكنة كل [ فراء ] قراء التعزية في طهران ، وأهدى كل واحد منهم مبلغا من المال . وأقبل الناس على حضور هذا المجلس إقبالا عظيما من كل الطبقات ، حتى إن الشاه نفسه حضر إليه في اليوم الثامن من المحرم . وفي يوم عاشوراء شكل القوزاق موكب عزاء منهم . وجعلوا في أوله فرقة موسيقية تعزف لحنا حزينا . وسار في مقدمته « رضا خان » وقد حسر عن رأسه وعفره بالتراب ، علامة الحزن ، ووراءه الضباط وراءهم الجنود ، وقد فعلوا فعله ، حسروا عن رؤوسهم وعفروها بالتراب ، وأخذوا يطوفون في المدينة . وكان « رضا خان » يواظب على حضور المجالس الأخرى ، وأكثر حضوره كان في مجلس أصحاب الحرف . وكان بعض الوعاظ وقراء التعزية إذا حضر مجلسا ذكروا اسمه على المنبر وأثنوا عليه ودعوا له ، فيعرف الجمهور أن وزير الحربية حاضر في المجلس . وفي مساء اليوم العاشر ليلة الحادي عشر من المحرم المعروفة عند الإيرانيين باسم « شام غريبان » « أمسية المغربين » ، خرج وزير الحربية قائد الجيش « رضا خان » ، على عادة الإيرانيين في تلك الليلة ، حاسر الرأس حافيا وفي يده شمعة ووراءه جنود القوزاق حاسرين حفاة وفي يد كل منهم شمعة ، وساروا إلى مجلس التعزية الذي يقام في المسجد الجامع والمجلس الذي يقام في مسجد الشيخ عبد الحسين ، وهما من أكبر مجالس طهران ، فطافوا ، وهم على هذا الوضع ، حول كل من المجلسين . وقد فعلت هذه المظاهر فعلها في نفوس العامة ، واكتسب « رضا خان » شعبية واسعة . إذ أن ولاء أهل البيت متمكن في نفوس الإيرانيين ، ولهم عناية فائقة بإقامة مراسم العزاء الحسيني وحرص شديد على المشاركة فيها وإدامتها . وثبت في نفوسهم أنه ناصر للدين . وظل مواظبا على هذه المظاهر في أشهر المحرم من كل سنة . وكانت هذه السيرة إحدى وسائله لتثبيت مكانه . أحوال العصاة لم يكن كل المتمردين في الأقاليم في تلك الحقبة من أهل الفتنة وطلاب المنافع الشخصية الخاصة . بل كان فريق منهم من كرام الوطنيين الأحرار ، ثاروا دفاعا عن الكرامة والحرية ونقمة على الفساد والاستبداد والتدخل الأجنبي الاستعماري ، مثل « الشيخ محمد الخياباني » ( 1 ) في أذربيجان و « الميرزا كوشك خان » في جيلان وضابط الدرك الكولونيل « محمد تقي خان » ( 2 ) في خراسان و « أمير مؤيد سوادكوهي » ( 3 ) في مازندران . وسواء

--> ( 1 ) قتل في عهد وزارة « مشير الدولة » . وقد مرت كلمة مفصلة عنه . ( 2 ) من خير العسكريين الإيرانيين في تلك الحقبة ، انضباطا وشجاعة ، ومن أوسعهم ثقافة عسكرية . جاءته مرة رسالة من أحد أصدقائه وهو في الجبهة يحارب فريقا من المتمردين . فأجابه عليها برسالة أدبية شجية استشهد فيها ببيت المتنبي المشهور : الخيل والليل والبيداء « تعرفنا » والسيف « والضيف » والقرطاس والقلم كان رئيسا لفرقة درك خراسان في زمن وزارة السيد « ضياء الدين الطباطبائي » . خرج في خراسان على الحكومة المركزية في عهد وزارة « قوام السلطنة » . وكان « رضا خان » وزير الحربية يحقد عليه لأسباب شخصية . سير إليه هذا حملة من القوزاق وساعدهم عليه أيضا مسلحون من أكراد « قوشان » . ووقعت بين الفريقين معركة عنيفة بالقرب منها . وقام الأكراد بالقسط الأكبر من الحرب . وتغلبوا عليه . وقتلوا من رجاله مائة دركي وأسروا الباقي ، ولم يبق معه غير ثلاثة من رجال الدرك . ومع ذلك ظل يقاوم إلى أن قتل هؤلاء الثلاثة أيضا وبقي وحده . وانهال الرصاص عليه من كل جانب فوقع صريعا . وقطع الأكراد رأسه ضربا بالسيوف وعلقوه على شجرة . وحملوا جسده فألقوه في منزل أحد رؤسائهم . وظل ملقى فيه مدة يومين . وكان ذلك في غرة صفر سنة 1340 ه‍ . ق . ولما بلغ خبر مقتله مدينة مشهد عمها الحزن . وبادر أهلها إلى حمل الجسد والرأس إلى مدينتهم في الخامس من صفر . وفي السادس منه تعطلت كل الأعمال في مشهد . وحمل الأهالي الجثمان على عربة مدفع وخرجوا عن بكرة أبيهم في تشييعه يحملون أكاليل الزهر وساروا به على إيقاع موسيقى حزينة ، ومدفع يرسل طلقات متواصلة ، إلى أن بلغوا به مقبرة « نادر شاه » فدفنوه فيها . وبعد شهر تقريبا جاءت إلى مشهد فرقة من القوزاق فاعتقلوا جماعة من أهلها . وفي 14 آبان سنة 1300 ه‍ . ش . ذهب القوزاق ليلا إلى مقبرة نادر شاه فنبشوا قبر الكولونيل « محمد تقي خان » وأخرجوا جثمانه منه ودفنوه في المقبرة العامة وعفوا أثره . ولكن الأهالي ظلوا يلتمسون مكان القبر حتى وجدوه ، فاظهروه وعمروه ونصبوا عليه شاهدا . ومن ذلك اليوم أصبح قبره محجة الخراسانيين يزورونه أفواجا ، يقرؤن له الفاتحة ، وتلقى عنده الخطب الوطنية الحماسية وتتناقلها صفحات الجرائد ، إلى أن استتب الحكم الدكتاتوري لرضا خان ، فأمر بتحويل تلك المقبرة إلى حديقة عامة وتسوية أرضها ، فضاع القبر . ( 3 ) من زعماء مازندران ومن أهل الثقافة . عصى الحكومة المركزية فسير إليه « رضا خان » وزير الحربية حملة عسكرية في 16 تير سنة 1300 ه‍ . ش . فهزمته وتفرق جنده وفر هو وولدان له وبعض رفاقه إلى الغابات . وإذ كان هذا الثائر من زعماء الإقليم راسخ الأصول فيه محبوبا وطنيا طيب السمعة وكانت الحكومة لذلك تخشى من أن يعود إلى العصيان ، فقد ارتات أن تصالحه وتستقدمه إلى طهران مكرما فتأمن جانبه وتستجلب قلوب أنصاره إليها . فأرسلت إليه وفدا من كرام الوطنيين أمنوه باسم الحكومة وأقنعوه بان في مصالحتها خيرا لإيران لأن أهم أسباب تذمره ، وهي تدخل الأجانب في شاون البلاد ، قد زالت فروسيا السوفياتية قد تخلت عن سياسة روسيا القيصرية السابقة وتركت إيران وشأنها . واضطرت بريطانيا أن تحذو حذوها . والحكومة الإيرانية بحاجة إلى مساعدته لها . ولا مانع بعد اليوم بمنعه من ذلك . فاقتنع بهذا المنطق وقدم إلى طهران على هذه النية . وزاد « رضا خان » في تكريمه فأنزله ضيفا عليه في بيته . واقترح عليه إدخال ولديه في الجيش ، فقبل وعينهما « رضا خان » في فرقة جرجان العسكرية . ولكن « رضا خان » لم يلبث ، يوم أصبح رئيسا للوزارة بعد ذلك ، أن غدر به . فقتل ولديه ليلا بزعم أنهما فرا من مكان خدمتهما . فلما بلغ خبرهما إلى أبيهما ضربته صدمة نفسية أفقدته الذاكرة وتولته حالة من الذهول لم يلبث بعدها إلا قليلا ومات وصادر « رضا خان » كل أملاكه وأمواله في مازندران . ويتصل بهذه القصة المؤلمة - كما يروى - واقعة من أغرب الوقائع . وهي أن « أمير مؤيد سوادكوهي » هذا كان يوما ، قبل أحداث عصيانه بمدة طويلة ، راكبا مع جماعة من فرسانه يتفقد أملاكه وشئون ولايته . فسمع ، وهو في الطريق بين « سوادكوه » ومازندران صوتا من امرأة تبكي وتستغيث منبعثا من داخل غابة . فأمر رجاله بتقصي الخبر . فدخلوا الغابة ثم عادوا ومعهم امرأة شريدة في هياة محزنة من الدهشة والتألم والخوف . فاستفسرها « أمير مؤيد » عن أمرها فأخبرته بأنها زوجة « داداش بيك » ( أبي رضا خان ) وزوجها غائب في خدمة عسكرية في طهران . وأنها حامل ولزوجها امرأة أخرى ولها أولاد . وأن ضرتها وأولادها اغتنموا فرصة غياب زوجها فأخذوا يؤذونها ويحاولون إسقاط جنينها ففرت منهم . فتألم « أمير مؤيد سوادكوهي » من ذلك . وكان يعرف زوجها معرفة تامة إذ هو من رجال قبيلته ومن ماموريه . فأمر بحمل المرأة إلى منزله لتقيم بين أهله فحملت إليه . وتابع « أمير مؤيد » سفره . وبعد عودته وضعت زوجة « داداش بيك » في بيته وبين أهله صبيا هو « رضا خان » هذا نفسه . وظل مع أمه في بيت « أمير مؤيد » إلى أن عاد « داداش بيك » من طهران إلى مازندران فنقلهما إلى بيته .